استعراض مراحل الحياة السابقة

رحلة في الذاكرة : خلال مسيرتي في الحياة عرفت الكثير من الرجال الذين كانوا لي بمثابة الوالدين، في القرب وفي البعد، الحاج محمد العروسي واحد من هؤلاء، مازالت صورتي وأنا طفل معه ومع بعض المجاهدين في منزل اتخذوا منه مقرا لهم عند دخولهم البلدة( الزعفران)عالقة بذاكرتي منذ أيام الطفولة، تعود الصورة إلى عهد قريب عندما قمنا رفقة الحاج لخضر الطحشي الزميل القديم في الدراسة أيام التعليم المتوسط بزيارة لعميد المجاهدين في منطقتنا بعد أن غادرنا معظمهم، وأكرمنا غاية الإكرام، وكالعادة سمعنا منه تجاربه الغنية، وحكمة السنين والخبرات الطويلة.
الحاج محمد العروسي كان أمين قسمة جبهة التحرير في مدينة الجلفة في السبعينات، أيام الثورة الزراعية، كانت زيارات الطلبة المتطوعين له مألوفة ولها معنى، وفي عهده انتسبت إلى جبهة التحرير في 1978 وأنا طالب في الجامعة، كمشترك لمدة ستة شهور، وفي النصف الثاني من العام نفسه 1978 حصلت على أول بطاقة مناضل، وكنت مسرورا بها، وانتميت إلى الخلية.
بعد ذلك حصلت على عضوية لجنة القسمة في عهد الأستاذ رابحي المسعود الذي خلفه كمنسق ، ثم حصلت على عضوية مكتب القسمة على عهد الأستاذ قدور كاس، وعلى عضوية لجنة المحافظة، وعضوية اللجنة الاقتصادية كمقرر لها في عهد رئيسها المحافظ السابق وعضو اللجنة المركزية الأستاذ العربي سليماني، كانت تلك أحداث تلخص عقودا من عمر شاب يعيش بكل جوارحه العهد الذهبي للزعيم هواري بومدين.
فيما يتعلق بالكتابة، أنجزت مجموعة متنوعة من الأعمال التي أثرت بشكل ملحوظ على تطوري ككاتب. تشمل هذه الأعمال نصوصا شعرية تتناول مواضيع، وكنت في السنة الأولى من الدراسة الجامعية 1977 نشرت أول نص شعري في مجلة الثقافة، وهي المجلة التي كانت تصدر على شكل كتاب، وتعد بحد ذاتها مؤسسة بالإضافة إلى يومية الشعب التي نشرت بها بعض القصائد. كان ذلك بالنسبة لسني حدثا استثنائيا. وشكل دفعا نفسيا قويا.
بعد مرور سنوات عدت إلى مدينتي، وفيها انكفأت على نفسي، لكنني كنت أنشط مع جملة زملائي في المجال الحزبي وفي المجال المهني، مجال التدريس، غير أنني انخرطت بشكل متزايد في النشاط السياسي، مع أن طبيعة النضال الحزبي والجيل الذي تولى القيادة فيه لم تكن تتيح لشاب يطمح إلى أن يكون مشروع مثقف ملتزم بمبادئ وأخلاقيات الثورة الجزائرية، الدخول إلى عالم يديره أشخاص يتمركزون حول مصالحهم واهتماماتهم الشخصية، مع أن كثيرا منهم كانوا أكثر التزاما من غيرهم، وأكثر التصاقا بروح تلك المبادئ، كثير من هؤلاء اليوم انتقلوا إلى العالم الآخر وحملوا معهم صورة العالم الذي طالما حلموا به لأبنائهم.
في العام 1993 كنت قد أخرجت إلى الوجود أول بحث أكاديمي تدربت فيه على اكتساب اللغة الأكاديمية، بعد مرحلة من الانغماس في الكتابة الإبداعية، كانت الموضوعية مصطلحا، ثم بدأت تصبح ممارسة وطريقة عمل ومنهجا، وفي 2003 ختمت قائمة الشهادات بدكتوراة الدولة التي شرعت في التحضير لها تحت نظر الأستاذ الدكتور محمد حسين الأعرجي.
وعندما غادر الجزائر بشكل مفاجئ لي، في الأقل، اقتربت من الأستاذ الدكتور عبد القادر هني الذي كانت قد ربطتني به علاقة مودة، وتفضل بمواصلة الإشراف على البحث وكان قبل ذلك قد حضر مناقشة رسالة الماجستير وعبر لي عن احترامه للجهد الذي بذل فيها، وهكذا بدأت معه رحلة بحث انتهت بمناقشة رسالة عن” مفهوم التراث في النقد العربي الأدبي الحديث”، لأنشر باكورة كتبي مع دار “إي كتب” العربية التي مقرها مدينة لندن .
بالحديث عن كتب وعن أبحاث أكاديمية. يمكن القول أنني من خلال هذه المشاريع، مارست التدريس الجامعي واكتسبت خبرات مختلفة في مجال تطبيق المناهج على النصوص، لقد استفدت من دراسة مشروع أدونيس الفكري، ومن شعره، أيما فائدة في بناء وعي ثقافي، ورؤية للحضارة الإسلامية، لكنني بفضل الاحتكاك بأخي ومؤنسي في الحياة، وزميلي في رحلة الدراسة السائرة مع العمر، الفيلسوف المتواضع الأستاذ عبد الباقي هزرشي بدأت رحلة قراءة في أعمال السير أرنولد توينبي، والفيلسوف أسوالد شبنغلر.
وإلى جانب ابن خلدون انصرفت بقلبي وعقلي سنوات طوال إلى قراءة معمقة لأعمال المسعودي وابن الأثير وابن خلكان، و دخلت عالم كبار المجتهدين المتحررين مثل ابن رشد والشاطبي وابن حزم بفضل القراءات التي جاد بها محمد عابد الجابري.
وفي تلك السنين التي انزويت فيها داخل البيت، كانت مشاعر الرغبة في مشاركة الأفكار والمعرفة مع كبار القراء و مؤلفي الأمهات المتداولة، تدفعني إلى توسيع نطاق مواضيع الاستطلاع الفكري الذي غطى مجالات التاريخ السياسي والاجتماعي، والمسألة الحضارية، والمسائل المتعددة المرتبطة بالإبستيمولوجيا بصورة مخصوصة.
في كل عمل قمت بنشره، كانت هناك سمات مشتركة، مثل الالتزام بجودة ودقة المعلومات. كانت الرغبة تملي علي جعل عملي كمؤلف يتجاوز مجرد الكتابة؛ لقد كان وسيلة للتواصل مع الجمهور وتعزيز الفهم حول القضايا المختلفة. كما عاينت تأثير كتاباتي بشكل مباشر من خلال تعليقات القراء، التي أعطتني دافعاً لمواصلة العمل وتحسين أسلوب الكتابة الخاص بي.
ومع ذلك، لم تخل هذه الرحلة من التحديات. كان هناك أوقات اتسمت بصعوبات في إدارة الوقت، وكذلك عقبات إبداعية. هذه التحديات، رغم صعوبتها، أسهمت في صقل مهاراتي وتطوير أسلوب كتابتي. تعلمت من كل تجربة كيفية التغلب على العقبات واتباع نهج فعال في مواجهة الصعوبات. بالإضافة إلى ذلك، أدركت أن النقد الذي وجهه لي أستاذي محمد حسين الأعرجي في بداية عملي تحت إشرافه سيكون أداة قيمة لتنمية المهارات الكتابية، حيث كانت ملاحظاته وتعليقاته الصريحة بمثابة محفز للتغيير والتحسين، ودافع لفحص ومراجعة أصحاب الأساليب الرفيعة مثل الأستاذ علي جواد الطاهر، والشيخ محمد الغزالي.

بشكل عام، كانت تجربتي مع الأعمال المنشورة تجربة غنية ومعقدة، عملت على تشكيل شخصيتي ككاتب ومؤلف، وأثرت في مجريات حياتي المهنية بشكل إيجابي. هذه الأعمال ليست فقط نقاط انطلاقي، بل تمثل أيضاً أسسا للتطوير المستقبلي في مشروع الكتابة عندي.
رحلة في الداكرة : مشاريعي الحالية والمستقبلية
في الوقت الحاضر، أعمل على مراجعة مشاريع بحثية بدأت تكتمل، ولعل الهدف هو استكشاف مواضيع جديدة تهمني عقليا وروحيا، وتلامس اهتمامات القراء في مختلف أرجاء العالم الإسلامي والعالم الناطق باللغة العربية.
يتضمن ذلك ترتيب وتصنيف سلسلة من المقالات تغطي مجالات متعددة، مثل تطورات العالم العربي الحديثة، وتأثير التحولات السريعة على المجتمع، بالإضافة إلى البحث عن طرق عملية لتعليم التحليل الأدبي، وتدريب الغير على استنطاق المباني والتراكيب والمعجم في الكتابات وفي الأعمال الفنية. هذه المشاريع ليست مجرد تعبير عن اهتماماتي الشخصية، بل تهدف أيضاً إلى تقديم محتوى ذي قيمة يستفيد منه المتعلمون ومن خلالهم كل الجمهور.
قراءة النصوص، والنص القرآني بخصوصيته المتفردة، والتدبر في معانيه والدلالات الصادرة عنه والمؤثرة في التفاعل معه هي خلاصة هذا المسعى.

في جانب آخر، أقوم بتطوير مجموعة من الأقسام التي ستركز على تقديم رؤى أعمق حول القضايا الراهنة التي تعني لي الكثير، بالإضافة إلى تقديم النصائح لمن يطلبها، كلما كان ذلك ممكنا، وتوفير فرصة الاستفادة من الخبرات التي اكتسبتها على مر السنوات. هذا الموقع والمحتوى المنشور فيه يسعى إلى تعزيز الحوار مع القراء، وتسليط الضوء على موضوعات قد تكون مهمة لهم.، و أرى أن بعض أقسام الموقع ستؤدي دورا في المساعدة على بناء مجتمع يتبادل المناقشة بشكل فعال بين متابعي الموقع.

بالإضافة إلى ذلك، أعمل على إنتاج مقاطع فيديو تعزز من العروض الكتابية وتضيف بُعداً بصرياً للتجربة القرائية. من خلال هذه الفيديوهات، أستطيع أن أتناول الموضوعات بشكل أكثر حيوية، مما يمكنني من إيصال الأفكار بسهولة أكبر. كما أعتبر أن هذا التنوع في المحتوى يعتبر ضرورياً في العالم الرقمي اليوم، حيث يتطلع القراء إلى أشكال جديدة من استهلاك المعلومات.
من خلال هذه المشاريع، أهدف إلى توسيع قاعدة متابعي الموقع وإثراء التجربة العامة للقراء. إنني أُعَدّ الخطوط العريضة للرؤى المستقبلية لتلك الأعمال، حيث أعتزم التفاعل بشكل أكبر مع الجمهور وتوجيه محتوى المشاريع القادمة نحو الموضوعات التي تعكس اهتماماتهم واحتياجاتهم.