
دفاعا عن الجزائر
حدث رمزي مهم عاشته مدينة الجلفة منذ مدة، تكمن رمزيته في الموقف السياسي والأخلاقي الذي اتخذه سكانها مما سمي بمليونة الجلفة التي دعا إليها ناشطون وهي مليونية أريد بها في الظاهر تسجيل موقف يساند الجيش وقيادته. الموقف الذي نشير إليه لم يتخذه سكان الجلفة وحدها بل أيضا سكان بعض الولايات المحيطة بها الذين وجهت لهم الدعوة للمشاركة في التظاهرة المعنية لكنهم امتنعوا عن هذه المشاركة.
الامتناع عن المشاركة الجماعية في تظاهرة تحمل عنوان مساندة الجيش لا يصح واقعيا أن يفسر بموقف معادي للجيش كمؤسسة، ولا لقيادته العليا، ولا لشخص رئيس أركان الجيش الذي يحظى في المنطقة كما في سائر الوطن بكل الاحترام اللائق بقائد عسكري وطني ينتمي إلى جيل المجاهدين، عرفت المؤسسة تحت قيادته نجاحا لا ينكره أحد بفضل نشاطه الميداني الدؤوب، وقوته المعنوية التي غيرت من قدرات وقوة الجيش ومن علاقته بالشعب التي تحولت إلى علاقة محبة وإعجاب وتفاعل متبادل، يعود في عمقه إلى العودة بالقوات المسلحة إلى عمل تعبوي منظم رسخ وضع الجندي الجزائري في حضن وروحية الجماهير الشعبية، وفعّل روح الوطنية الجزائرية في كل مفاصل العمل العسكري، وفي اختيار الرجال الصالحين لمواقع القيادة فيه.
دفاعا عن الجزائر
الامتناع عن المشاركة نبع أساسا من جملة اعتبارات يمكن أن نلخصها في مايلي:
أن سكان الجلفة لا يشعرون بالحاجة إلى تشكيل قطب جهوي، لأنهم يعتبرون أنفسهم مكونا ديموغرافيا وثقافيا أساسيا في قطب وطني كبير اسمه الجزائر، وأن الثقافة المحلية بطابعها الديني والأخلاقي العام لا تطمح مطلقا لأن تكون ثقافة جهوية تنمو وتزدهر على حساب الثقافة الوطنية الجزائرية التي يؤدي فيها كل من العروبة والإسلام دور الروح التي لا يعيش المجتمع إلا بها،
ولذلك فهم بالرغم من قوة حضور الهوية المحلية لديهم وأصالتها لا يمكن أن يجعلوا منها بديلا عن الهوية الجزائرية التي تعد الأمازيغية حاضنتها التاريخية التي لا يرضون لها المحو والتفسخ كما خطط المستعمر له ضمن استراتيجية عامة تستهدف منع الجزائر من الاستقرار بكل أبعاده الأمنية والثقافية، وضرب وحدة الوطن والأمة الجزائريين.
القطب السياسي الذي يطمح إليه سكان الجلفة هو ذلك الذي انصهرت فيه الهوية الواحدة التي تجمع المواطنين من تندوف إلى الوادي، ومن وهران إلى عنابة، ومن الجزائر البيضاء إلى تمنراست مرورا بأدرار وتيميمون وجانت،
هذا هو القطب الذي شكل جيش التحرير بالأمس، ويشكل الجيش الوطني الشعبي اليوم وغدا بجنوده وقادته وروحه المعنوية العالية عموده الفقري الساهر على بقائه موحدا في وجه كل التهديدات، لا تقلل من دوره الأخطار ولا المناورات والمزايدات من الخارج و الداخل.
دفاعا عن الجزائر
نحن نمقت الجهوية لأن الجهوية هي التي جعلت كل الضباط المنحدرين من ولاية الجلفة ومن كثير من ولايات الوطن الأخرى يغادرون الخدمة وهم في قمة عطائهم، وفي مقتبل مسارهم العسكري، تم ذلك في جمهورية ترفع شعارات تقدمية، لكن بعض مسؤوليها ظلوا يحتكمون في الواقع إلى ذهنية تنتمي في الغالب إلى ثقافة موروثة عن الاستعمار ومجمعه الإداري والسياسي الذي برز تأثيره أكثر في العشرية السوداء.
هذه الجهوية المتعددة الوجوه والأشكال كانت إلى تاريخ 22 فبراير عنوانا للتبعية أكثر مما كانت عنوانا للتطوير وتعميم الثقافة العلمية والتكنولوجية، لقد مثلت ردة عن النزعة الثورية التحررية تمت على حساب وحدة النسيج الاجتماعي الوطني الذي فتحت أبوابه لدعاة الانفصال والتطبيع مع الصهيونية العالمية الذين قاومهم المجتمع بعناد وصبر.
هذه الجهوية التي لم تنفع سوى أصحابها وزبائنهم ولم ينتج عنها سوى التفريط في ثروات البلاد وتكريس ذهنية متخلفة وحمقاء قائمة على نهب المال العام وتوزيعه على المقربين من حملة ثقافة الترابندو.
كيف يمكن لنا أن نفتح الباب في الجلفة مدينة التسامح والعيش المشترك لبديل جهوي مهما كانت القيم التي يستند إليها؟ خصوصا ونحن نرى شعبنا قد خرج عن بكرة أبيه يدعو إلى الشرف والعفة واستعادة القيم الرفيعة، وإسناد الأمور إلى أهلها ممن تتوفر فيهم الكفاءة ونظافة اليد والترفع عن التنمر والغرائزية، و التنزه عن العمالة للأجنبي مهما تكن جنسيته أو انتماؤه.
لم يكن الموقف الوطني الجامع والعقلاني الذي اتخذه سكان الولاية والولايات المجاورة لها سوى تعبير عن الروح الجديدة التي توحد وتجمع وتسمو بالعقول، وترفع هامات الجزائريين كل الجزائريين إلى الأعلى.
نعم نحن عرب، نعرف سلالاتنا، وأصولنا . نسمي آباءنا وأجدادنا إلى أعلى منابع سلالاتنا، لا نحتاج إلى من يعيرنا هوية أو نسبا لا يلزمنا، ولا نطمح إلى السيادة على غيرنا إلا ضمن معايير المساواة المستندة إلى الكفاءة والالتزام الأخلاقي بالكف عن كل مساس بمال الأمة، نضع شرف الشعب الجزائري قبل الخبز، وقبل الماء، وقبل كل المصالح مهما كان نوعها. لكننا نقدم أبناء الجزائر على كل من سواهم، ونتشرف بحمل الهوية المشتركة الرسمية والشعبية التي تنصهر في الجنسية الجزائرية وحدها دون سواها، نقاتل تحت لوائها ونموت دفاعا عن علمها المروي بدماء الملايين من الشهداء الذين منهم أجدادنا في كل الحقب والأزمان.
لم نرفض الأشخاص، ولا الأفكار ولا المواقف الوطنية السليمة، رفضُنا يتجه نحو كل ما من شأنه أن يفرق لحمة الجزائريين، نحن في غنى عن كل ذكاء أو حيلة تجعلنا نحتل مواقع لا نكتسبها بالجهد والعرق والإخلاص، وبالصدق وبصفاء السريرة، التي نعتبرها وسائل بناء الأمم القوية على الصلاح والاستقامة.
ليس الشرف الذي نريده وليد التباهي بحجم المسيرات ولا بكثرة العدد، بل الشرف كل الشرف في الانضمام إلى صفوف الأمة وتقوية لحمتها وانسجامها ضمن خط الكفاح الطويل الذي يفرضه علينا بناء تنمية صحيحة، ودولة قوية بمبادئها، ورجالها الوطنيين الصادقين.
كل صراع على الجهويات، أو صراع بين عصب غامضة على نهب المال، أو صراع ذهنيات تريد كل منها الظهور أكثر من غيرها في مظهر التبعية للقوى الأجنبية، كل هذه الصراعات لا تثير اهتمامنا ولا نرى أنفسنا ومنطقتنا طرفا فيها، وحده الصراع بين قوى الاستقلال، وقوى العمالة والتبعية، والصراع بين الوحدة والانفصال، وبين الهوية المشتركة الواحدة والهويات الانقسامية التفتيتية هو ما يستدعي التزامنا ومقاومتنا ومشاركتنا في النضال من أجل جزائر موحدة، قوية وتعددية، منفتحة على العالم، لا تساوم أحدا على سيادتها ولا تفرط في ذرة رمل أو قطرة دم جزائري واحدة.
دفاعا عن الجزائر
إن الحل في جزائر اليوم هو دائما ممكن بتوحد إرادة الشعب والجيش، داخل إطار مؤسسي يحول دون تحقيق النوايا الأجنبية الخبيثة بالتدخل في شؤون الجزائر بطرق ملتوية، وهي نوايا مكشوفة ومعروفة لا ينكرها إلا من يتوسل المناورة سبيلا لتعطيل الحل والالتفاف على حياة الجزائريين ومصيرهم ومستقبلهم. حل يعيد بسط الشرعية الشعبية مرة أخرى على قاعدة انتخابات مضمونة النزاهة والنظافة، عندها يمكن للدولة بفضل العودة للشرعية الشعبية أن تباشر خريطة طريق التغيير الجذري الذي يشمل تجديد نظامها السياسي، وإعادة تأهيل فعالة لكل هياكلها ومؤسساتها، ومنظوماتها القانونية والعلمية والتربوية، وبناء الاقتصاد الحقيقي المنتج الذي يكون قادرا على تزويد الدولة والمجتمع بكل ما يساعد على التطور والازدهار من موارد وثروات.
بقلم الدكتور : محمد الطيب قويدري
منشور بموقع أخبار دزاير في
آخر تحديث: 2019-05-16 01:22